مستقبل‭ ‬الأقصى‭ ‬مستقبل‭ ‬فلسطين

بقلم ميكو بيليد

في‭ ‬عمل‭ ‬مقاوم‭ ‬وبطولي‭ ‬يرفض‭ ‬المصلون‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬الدخول‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أجهزة‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬المعادن‭ ‬إلى‭ ‬الحرم‭ ‬الشريف‭ ‬والمسجد‭ ‬الأقصى‭. ‬ويذكر‭ ‬أن‭ ‬اجهزة‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬المعادن‭ ‬التى‭ ‬وضعتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬فى‭ ‬أعقاب‭ ‬مقتل‭ ‬جنديين‭ ‬اسرائيليين‭ ‬كانا‭ ‬يحرسان‭ ‬حاجز‭ ‬يقود‭ ‬الى‭ ‬الحرم‭ ‬عد‭ ‬عملاً‭ ‬إستفزازيا‭ ‬مما‭ ‬يشكل‭ ‬تحديا‭ ‬للسلطات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التى‭ ‬تحكم‭ ‬الحرم‭ ‬والسيادة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬المقدس‭.‬

وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مقتل‭ ‬الجنديين‭ ‬عند‭ ‬مدخل‭ ‬الحرم‭ ‬القدسي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفاجئاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬يتردد‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬القديمة‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬هجوم‭ ‬يُنتظر‭ ‬حدوثه‭. ‬وسيكون‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬نصدق‭ ‬أن‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لم‭ ‬تتوقع‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬رداً‭ ‬واضحا‭ ‬على‭ ‬الإستفزازات‭ ‬المستمرة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬قوات‭ ‬الإحتلال‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بذلت‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬جهد‭ ‬واضح‭ ‬لرفع‭ ‬التوتر‭ ‬وإندلاع‭ ‬كبير‭ ‬للعنف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيزات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الوحدات‭ ‬العسكرية‭ ‬ووحدات‭ ‬الشرطة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬لكن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬هادئين‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬ويظهرون‭ ‬ضبط‭ ‬شديداً‭ ‬للنفس‭ ‬وهم‭ ‬يقامون‭ -‬مسلحون‭ ‬بالإيمان‭ ‬والتصميم‭ – ‬لحقهم‭ ‬في‭ ‬الصلاة‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أقدس‭ ‬موقع‭ ‬مسلم‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭. ‬فبينما‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تأمل‭ ‬في‭ ‬إثارة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬للاإخراط‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬عنف‭ ‬مسلح‭ ‬فإنها‭ ‬تواجه‭ ‬أمة‭ ‬تُصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الصلاة‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬وكرامة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬تعني‭ ‬الصلاة‭ ‬في‭ ‬أزقة‭ ‬وشوارع‭ ‬القدس‭.‬

هذه‭ ‬الموجة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الإحتجاجات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والعنف‭ ‬الشديد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬فراغ‭. ‬إن‭ ‬تحرك‭ ‬إسرائيل‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬وصول‭ ‬المصلين‭ ‬الذين‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬دخول‭ ‬الحرم‭ ‬وزيادة‭ ‬عدد‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬البلدة‭ ‬القديمة‭ ‬خطير‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية‭ ‬ولكنه‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الإستفزازات‭ ‬اليومية‭. ‬وقد‭ ‬اختنقت‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬العربية‭ ‬بتلك‭ ‬الأفعال‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬جنود‭ ‬مدججين‭ ‬قبل‭ ‬وصول‭ ‬هذه‭ ‬التعزيزات‭. ‬كان‭ ‬المشي‭ ‬عبر‭ ‬البلدة‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬تجربة‭ ‬ممتعة‭ ‬ولكن‭ ‬الآن‭ ‬تتعطل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الذين‭ ‬يمرون‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والأزقة‭ ‬مسلحين‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬وبتصرفات‭ ‬تشبه‭ ‬العصابات‭ ‬الراغبة‭ ‬في‭ ‬بدء‭ ‬معركة‭. ‬حتى‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الليالي‭ ‬احتفالية‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬ومليئة‭ ‬بالأسر‭ ‬والناس‭ ‬الذين‭ ‬يستمتعون‭  ‬تجد‭ ‬الجنود‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ – ‬تهدد‭ ‬وتهين‭ ‬لتذكر‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بأنهم‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭.‬

إن‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬البلدة‭ ‬القديمة‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬وخاصة‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الحرم‭ ‬الشريف‭ ‬والمسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬هو‭ ‬إهانة‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬أي‭ ‬أمة‭ ‬أودين‭. ‬وقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬الإجراءات‭ ‬العقابية‭ ‬الآن‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬إلى‭ ‬أجزاء‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬وكما‭ ‬كان‭ ‬متوقعا‭ ‬يعرب‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬عن‭ ‬غضبهم‭. ‬ووصلت‭ ‬درجة‭ ‬الإحباط‭ ‬الى‭ ‬نسب‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬حدت‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬وصول‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬الصلاة‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬كما‭ ‬يحظر‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬الذين‭ ‬يحملون‭ ‬جنسية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬زائفة‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬القدس‭ ‬لصلاة‭ ‬الجمعة‭. ‬وفيما‭ ‬أصبحت‭ ‬طقوس‭ ‬أسبوعية‭ ‬يأتي‭ ‬آلاف‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬إلى‭ ‬القدس‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬للصلاة‭ ‬في‭ ‬الأقصى‭. ‬وتغادر‭ ‬الحافلات‭ ‬المليئة‭ ‬بالمصلين‭ ‬من‭ ‬منازلهم‭ ‬صباحاً‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬حتى‭ ‬الجليل‭ ‬وجنوب‭ ‬النقب‭ ‬للوصول‭ ‬الى‭ ‬القدس‭ ‬لصلاة‭ ‬الجمعة‭. ‬وتتواجد‭ ‬الحافلات‭ ‬عادة‭ ‬أمام‭ ‬بوابة‭ ‬دمشق‭ ‬ويتوجه‭ ‬المصلين‭ ‬ببطء‭ ‬في‭ ‬طريقهم‭ ‬إلى‭ ‬أسفل‭ ‬الدرجات‭ ‬الكبيرة‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬البوابة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭. ‬يسيرون‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬مليء‭ ‬بالباعة‭ ‬المتجولين‭ ‬والمحلات‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬تبيع‭ ‬الطعام‭ ‬والحلويات‭ ‬والملابس‭. ‬الطريق‭ ‬يصبح‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬أضيق‭ ‬ورائحة‭ ‬القهوة‭ ‬والخبز‭ ‬الطازج‭ ‬أقوى‭ ‬فيما‭ ‬يتحول‭ ‬المصلين‭ ‬يساراً‭ ‬نحو‭ ‬البوابة‭ ‬التي‭ ‬خصصتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬للمسلمين‭ ‬لدخول‭ ‬الحرم‭ ‬الشريف‭. ‬تضيء‭ ‬القبة‭ ‬الذهبية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الممر‭ ‬المظلم‭ ‬وبد‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬يبدو‭ ‬حاجز‭ ‬آخر‭ ‬للعبور‭ ‬للصلاة‭.‬

ويزداد‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬للقوات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬ويحتمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬إستعدادا‭ ‬للحج‭ ‬الأسبوعي‭ ‬للمصلين‭ ‬القادمين‭ ‬إلى‭ ‬صلاة‭ ‬الجمعة‭. ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تعيق‭ ‬الشرطة‭ ‬المحلية‭ ‬الطرق‭ ‬الرئيسية‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬ليلة‭ ‬الخميس‭. ‬وفي‭ ‬صباح‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬فإن‭ ‬الساحة‭ ‬أمام‭ ‬بوابة‭ ‬دمشق‭ ‬هي‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يوجد‭ ‬فيه‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العسكريين‭ ‬والشرطة‭ ‬والتي‭ ‬تتجمع‭ ‬بها‭ ‬باصات‭ ‬المصلين‭. ‬حيث‭ ‬يقفون‭ ‬بسياراتهم‭ ‬ويتجمع‭ ‬الجنود‭ ‬وضباط‭ ‬الشرطة‭ ‬وتوجد‭ ‬شرطة‭ ‬مكافحة‭ ‬الشغب‭ ‬على‭ ‬خيولهم‭. ‬يتم‭ ‬وضع‭ ‬حواجز‭ ‬الشرطة‭ ‬لغلق‭ ‬الطرق‭ ‬بالحواجز‭ ‬والجنود‭ ‬حيث‭ ‬بجب‭ ‬على‭ ‬الآف‭ ‬المصلين‭ ‬أن‭ ‬يسيرون‭ ‬بخط‭ ‬واحد‭ ‬تحت‭ ‬اعين‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المراقبة‭. ‬ويتم‭ ‬إيقاف‭ ‬بعض‭ ‬المصلين‭ ‬وطلب‭ ‬أظهار‭ ‬بطاقات‭ ‬الهوية‭ ‬ويُتغاضى‭ ‬عن‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬وعادة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السن‭.‬

ليس‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬الشرطة‭ ‬تمنع‭ ‬دخول‭ ‬المصلين‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭. ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬رأيت‭ ‬مئات‭ ‬ومئات‭ ‬من‭ ‬المصلين‭ ‬الذين‭ ‬مُنعوا‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬لسبب‭ ‬أو‭ ‬لآخر‭ ‬ينتظرون‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬خارج‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭. ‬وعندما‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬تقام‭ ‬الصلوات‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬حيث‭ ‬تقف‭ ‬الشرطة‭ ‬المسلحة‭ ‬والجنود‭ ‬حول‭ ‬المصلين‭. ‬قام‭ ‬أحد‭ ‬أعضاء‭ ‬الكنيست‭ ‬العنصريين‭ ‬الأصوليين‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬بيزاليل‭ ‬سموتريتش‭ ‬بنشر‭ ‬صورة‭ ‬لمئات‭ ‬المسلمين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يقيمون‭ ‬الصلاة‭ ‬والجنود‭ ‬يقفون‭ ‬أمامهم‭ ‬وفسروا‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬نبوءة‭ ‬قادمة‭ ‬حيث‭ ‬تنحني‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬أمام‭ ‬اليهود‭ . ‬ولقد‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬مرات‭ ‬عديدة‭ ‬والعزيمة‭ ‬والتواضع‭ ‬والكرامة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المسلم‭ ‬الذي‭ ‬يصلي‭ ‬والذي‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬تناقض‭ ‬صارخ‭ ‬مع‭ ‬الغطرسة‭ ‬والسخط‭ ‬وعدم‭ ‬الإحترام‭ ‬وإنعدام‭ ‬الأمن‭ ‬التي‭ ‬يظهرها‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬المسلحون‭. ‬فبمجرد‭ ‬إنتهاء‭ ‬الصلاة‭ ‬وحين‭ ‬يستعد‭ ‬المصلون‭ ‬للوقوف‭ ‬يرفع‭ ‬الجنود‭ ‬بنادقهم‭ ‬ويوجهوها‭ ‬إلى‭ ‬المصلين‭.‬

ومن‭ ‬الإستفزازات‭ ‬الأخرى‭ ‬الشائعة‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬إرسال‭ ‬مجموعات‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬ثلاثة‭ ‬أو‭ ‬أربعة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭ ‬للوقوف‭ ‬وسط‭ ‬الحشد‭. ‬وبينما‭ ‬تقف‭ ‬حشود‭ ‬لا‭ ‬تحصى‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يستعدون‭ ‬للصلاة‭ ‬يتم‭ ‬إرسال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬جنود‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قائدهم‭ ‬للوقوف‭ ‬في‭ ‬وسطهم‭. ‬ليس‭ ‬حول‭ ‬المصلين‭ ‬كما‭ ‬يفعلون‭ ‬عادة‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬وسطهم‭ ‬بحيث‭ ‬كل‭ ‬فلسطيني‭ ‬يمشي‭ ‬سوف‭ ‬يضطر‭ ‬إلى‭ ‬التعثر‭ ‬في‭ ‬احد‭ ‬الجنود‭ ‬المدججين‭ ‬بالبنادق‭ ‬الكبيرة‭ ‬والبارزة‭ ‬والدروع‭ ‬الضخمة‭. ‬وهذا‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬يحدث‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬إما‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬أو‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬يدفعون‭ ‬ثمنا‭ ‬باهظا‭ ‬دائماً‭.‬

فالإستجابة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬للعنف‭ ‬والاستفزازات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تُصور‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مفرطة‭ ‬وغير‭ ‬متناسبة‭. ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬فيما‭ ‬يلي‭: ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليوني‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ – ‬حوالي‭ ‬50‭ ‬ميلا‭ ‬من‭ ‬القدس‭ – ‬يموتون‭ ‬من‭ ‬العطش‭ ‬والحرارة‭ ‬بسبب‭ ‬الحصار‭ ‬الذي‭ ‬تفرضه‭ ‬إسرائيل‭. ‬ويجلس‭ ‬آلاف‭ ‬السجناء‭ ‬السياسيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ويتعين‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬أن‭ ‬يمروا‭ ‬يوميا‭ ‬بالروتين‭ ‬والقمع‭ ‬والعنف‭ ‬حيث‭ ‬يطلق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يوميا‭ ‬تقريبا‭. ‬إن‭ ‬الأحداث‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬هي‭ ‬مثال‭ ‬صارخ‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والإلتزام‭ ‬بالحرية‭ ‬واللاعنف‭. ‬أيا‭ ‬كان‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬هو‭ ‬إستثناء‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬هو‭ ‬منظم‭ ‬برعاية‭ ‬وتخطيط‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭.‬

وعند‭ ‬انتهائي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬اندلعت‭ ‬الأنباء‭ ‬عن‭ ‬الهجوم‭ ‬المميت‭ ‬في‭ ‬مستوطنة‭ ‬حلميش‭ ‬بالضفة‭ ‬الغربية‭ ‬ولذا‭ ‬سأضيف‭ ‬بضع‭ ‬كلمات‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الحادث‭ ‬المؤسف‭. ‬أنا‭ ‬أمر‭ ‬على‭ ‬حلميش‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬في‭ ‬طريقي‭ ‬لزيارة‭ ‬أصدقائي‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬النبي‭ ‬صالح‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والمقام‭ ‬على‭ ‬أرضهم‭ ‬مستوطنة‭ ‬حلميش‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمرء‭ ‬أن‭ ‬يبرر‭ ‬قتل‭ ‬الأبرياء‭ ‬الذين‭ ‬يجلسون‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬العشاء‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حلميش‭ ‬مستوطنة‭ ‬عنيفة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬وشارك‭ ‬سكانها‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬إرهابية‭ ‬ضد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القرى‭ ‬المحيطة‭. ‬وقد‭ ‬أخذوا‭ ‬الأراضي‭ ‬والمياه‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬المحليين‭ ‬ويحرقون‭ ‬بانتظام‭ ‬أشجار‭ ‬الزيتون‭ ‬ويهاجمون‭ ‬القرويين‭. ‬وقد‭ ‬قامت‭ ‬القرى‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحلية‭ ‬مع‭ ‬النبي‭ ‬صالح‭ ‬في‭ ‬اخذ‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭ ‬منذ‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭ ‬بتنظيم‭ ‬مسيرات‭ ‬أسبوعية‭ ‬سلمية‭. ‬ولقد‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسيرات‭ ‬وقد‭ ‬أُعتقلت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬هناك‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭. ‬ويواجه‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬بقوة‭ ‬عسكرية‭ ‬هائلة‭ ‬ويُعتقلون‭ ‬ويتعرضون‭ ‬للضرب‭ ‬وتعرض‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬العزل‭ ‬الى‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬قريبة‭ ‬وقتلوا‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الإحتجاجات‭. ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يختبئ‭ ‬سكان‭ ‬النبي‭ ‬صالح‭ ‬لشهور‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬الإعتقالات‭ ‬وقد‭ ‬أعتقلت‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬العديد‭ ‬منهم‭ ‬وتعرضوا‭ ‬للتعذيب‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬ارتكبوا‭ ‬اعمال‭ ‬عنف‭. ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬المستوطنين‭ ‬أو‭ ‬إيقافهم‭ ‬أبدا‭ ‬وفي‭  ‬المقابل‭ ‬فإن‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬بحزم‭ ‬ضد‭ ‬الإحتجاجات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لا‭ ‬تفعل‭ ‬شيئا‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬المستوطنة‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬اشارة‭ ‬اتهام‭ ‬فيجب‭ ‬ان‭ ‬توجه‭ ‬نحو‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأيدولوجيتها‭ ‬العنصرية‭. ‬إنها‭ ‬أيديولوجية‭ ‬وضعت‭ ‬الناس‭ ‬ضد‭ ‬بعضهم‭: ‬مستوطنون‭ ‬ضد‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬سُرقت‭ ‬أرضهم‭ ‬وجنود‭ ‬ضد‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬للحرية‭. ‬إن‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬موقع‭ ‬مقدس‭ ‬لجميع‭ ‬المسلمين‭ ‬ويجب‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬استفزازها‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عواقب‭ ‬وخيمة‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيها‭.‬

Advertisements